أخبار عمانالرئيسيةثقافةمنوعات

البيضح .. كنز ظفاري بين الطبيعة والتراث

كتب – أسيل سالم المقبالية

في جبال ظفار، حيث يترك موسم الخريف أثره في كل شقٍّ من الأرض، ينهض نبات صغير بمكانة كبيرة في حياة الناس. ورغم مظهره البسيط، يحمل هذا النبات تاريخًا غذائيًا وثقافيًا يمتد لأجيال، ويعبّر عن علاقة الإنسان بالطبيعة وذكاء البيئة في توفير غذاء موسمي ثمين في أوقات الشدة. البيضح ليس مجرد نبات بري يظهر ويختفي مع المواسم، بل نموذج حي للعلاقة المتينة بين الإنسان والبيئة في محافظة ظفار، حيث ارتبط حضوره بأنماط الحياة الرعوية، وبالذاكرة الغذائية، وبالتقاليد الاجتماعية التي تشكلت عبر سنوات طويلة من التعايش مع الطبيعة. مع تسارع التغيرات المناخية، وزيادة الضغط البشري على الموارد الطبيعية، وتزايد الطلب على النباتات البرية في الاسواق المحلية، بات توثيق نبات البيضح، ودراسة خصائصه البيئية والثقافية، ضرورة ملحّة للحفاظ على إرث طبيعي ظل حاضرًا في ذاكرة المجتمع الظفاري، لكنه اليوم يواجه تحديات حقيقية تهدد استمراريته .

تعريف البيضح وخصائصه النباتية

في الحديث عن هوية نبات البيضح ، يقدّم الباحث أحمد سوحيلي جعبوب وصفًا علميًا مفصلًا، قائلاً أن: ” البيضح نبات بري من الفصيلة السوسنية (Iridaceae)، ينمو من درنة تحت الأرض تشبه البصلة. له ساق واحدة تقريبًا، تحمل أوراقًا ضيقة، وزهرة أو أزهارًا بيضاء قد تكون معرقة أحيانًا، وتتميز الأزهار برائحتها العطرة. محليًا في ظفار يُعرف باسم البيضح ،ويُستخدم تقليديًا، حيث تُجمع درناته وتُطهى كغذاء بعدة طرق .”

ويضيف جعبوب موضحًا البعد الثقافي والمعرفي لدراسة هذا النبات : ” دراسة البيضح لا تقتصر فقط على الجانب النباتي،بل تساعد على فهم العلاقة بين النبات وموطنه الفريد الذي يصنعه موسم الخريف في ظفار، كما تكشف عن جوانب مهمة من التراث الغذائي والمعرفي الذي ما زال حيًا في ذاكرة المجتمع الظفاري، وتُظهر كيف تعامل الإنسان مع الموارد الطبيعية الموسمية عبر الزمن . “

أما الباحث البيئي محمد عكعاك ، فيقدّم وصفًا ميدانيًا أكثر تفصيلًا، نابعًا من خبرته في البيئة الجبلية :”البيضح نبات عشبي بري معمر، ينمو قائمًا، وقد يصل ارتفاعه إلى نحو 45 سنتيمترًا. توجد درناته تحت سطح التربة، وهي الجزء المستخدم غذائيًا وتقليديًا لدى سكان ظفار، بينما تشكّل الأجزاء الهوائية منه جزءًا من الغطاء النباتي الموسمي . “

وفي الجانب التصنيفي، يشير علي سالم عكعاك، أخصائي نظم بيئية  :” البيضح من الأنواع النباتية العشبية المحلية التي تظهر في ظفار في نطاق موسم الخريف، وله أزهار بيضاء تشبه الزنبق، ويُعرف علميًا باسم Gladiolus candidus، ويوجد بشكل طبيعي في ظفار وسلطنة عُمان واليمن وشرق أفريقيا.”

موائل البيضح وانتشاره الجغرافي

تُعد محافظة ظفار من أكثر المناطق غنى بانتشار نبات البيضح، حيث توفّر الجبال والسهول والمرتفعات بيئة مناسبة لنموه. ويوضح أحمد سوحيلي جعبوب :” البيضح يوجد في شبه الجزيرة العربية، خاصة في ظفار جنوب سلطنة عُمان، كما يوجد في جنوب اليمن، ويُسجَّل وجوده في بعض دول شرق أفريقيا. وينمو عادة في المروج الجبلية والمنحدرات الصخرية التي تتميز بتربة جيدة الصرف. “

ويتابع عن الظروف البيئية المناسبة:”العوامل المطلوبة لنمو البيضح تشمل تربة جيدة الصرف، غالبًا ما تكون صخرية أو رملية، مع وجود مواد عضوية محدودة.النبات لا يحتاج إلى تربة غنية جدًا، لكن الدرنات تتطور بشكل أفضل في المواسم التي تتوفر فيها رطوبة متقطعة، كما هو الحال خلال موسم الخريف.”

ويضيف محمد عكعاك :” النبات يظهر عادة في المناطق الجبلية المفتوحة التي تتأثر بالضباب الموسمي، ويحتاج إلى ضوء مناسب وتربة جيدة التصريف، وهي ظروف تتوفر بكثرة في جبال ظفار خلال الخريف. “

موسم الظهور والجمع التقليدي

يرتبط ظهور نبات البيضح في الوعي الشعبي بتغيرات الطقس الموسمية، خصوصًا موسم الخريف. يقول محمد عكعاك :” يتم جمع البيضح بعد انتهاء موسم الخريف وجفاف التربة تمامًا، حيث يكون النبات قد أكمل نموه. ويمكن جمعه لاحقًا في باقي الفصول لمن يمتلك الخبرة في التعرف على مواقع وجوده، ومعرفة العلامات التي تدل عليه. “

من جانبه اوضح جعبوب :” في ظفار يرتبط ظهور أزهار ودرنات هذا النوع بموسم الخريف، ومع انتهاء الرطوبة المتبقية يكون وقت جمع الدرنات في أواخر الخريف أو مع بداية جفاف أوراق النبات، وهو الوقت الأنسب لضمان اكتمال نمو الدرنات.”

ويشير جعبوب إلى البعد الاجتماعي :” جمع البيضح تقليديًا كان عملًا مرتبطًا بالمواسم الرعوية والتنقل، وغالبًا ما يتم توزيعه على الأسر والجيران. أما اليوم، فقد ازداد الطلب عليه في الأسواق المحلية، مما غيّر من نمط جمعه وأثر على استدامته . “

طرق الطهي الشعبية… ذاكرة الطعام في الجبال

يرتبط البيضح بطرق طهي تقليدية دقيقة تعكس معرفة البيئة الجبلية والموارد المتاحة. يشرح محمد عكعاك : ” يُجمع البيضح كغذاء للرعاة في فصول الجد،ويُستهلك كوجبة مشبعة. تُجمع الدرنات باستخدام أداة تقليدية تُسمى «زيق»، ثم تُدفن داخل كومة من روث الحيوانات الجاف بعد إشعاله، وتُترك لمدة ساعة تقريبًا حتى تظهر كرة الدرنات البيضاء المصفرة وقد نضجت.”

ويضيف جعبوب :” كان الأهالي يستخرجون الدرنات ويطهونها على نار هادئة أو في مواقد تقليدية، وقديمًا كانت تُؤكل كغذاء في أوقات المجاعة، وتُوزع على الأسر والجيران، ما يعكس قيم التكافل الاجتماعي .”

وللنساء في القرى دور كبير في الحفاظ على هذا التراث، حيث تتشارك العائلات في جمع وتحضير البيضح. تقول المواطنة أم علي : ”  نجمع البيضح في بداية موسم الربيع المعروف بالصرب، وهو الوقت الذي يكون فيه العشب طويلًا. نأخذ البيضح من الوادي، ونقطعه إلى نصفين، ثم نحضّر السماد المحلي لوضع طبقة منه في قاع القدر، تليها طبقة من البيضح، ثم طبقة أخرى من السماد فوقه. يُطهى على نار هادئة من أربع إلى خمس ساعات، وعند نضجه يُقشّر ويُؤكل مع السمن المحلي.”

وتضيف :” هذا التقليد ليس مجرد طهي، بل جزء من حياتنا، يرتبط بمواسم الصرب وخطلة الإبل، ويعكس اعتمادنا على الموارد الطبيعية الموسمية. كما يحمل ذكريات كبار السن عن الأيام التي قضوها في جمع البيضح مع العائلة.”

أهمية البيضح في البيئة والتنوع الحيوي

ويلفت جعبوب إلى أن البيضح يمثل عنصرًا بيئيًا مهمًا، موضحًا أن: ” البيضح يلعب دورًا في تنوع النباتات البرية المحلية، وتساهم أزهاره في شبكة التلقيح المحلية. كما أن الدرنات قد تُؤكل أحيانًا من قبل ثدييات صغيرة أو قوارض إذا وُجدت على سطح التربة، لكنه لا يُعد مصدرًا رئيسيًا للثروة الحيوانية .”

ويضيف :” لا يُعتبر البيضح محصولًا زراعيًا مُروّجًا، بل مصدرًا غذائيًا بريًا موسميًا، ووجوده يعكس صحة الموائل البرية ودور مواسم الرطوبة في إنتاج موارد غذائية طبيعية .  “

من جانبه،يوضح محمد عكعاك أثر البيضح البيئي قائلاً: ” يساهم البيضح في تثبيت التربة وتقليل تعريتها، وتساعد درناته في دورة تجدد الغطاء النباتي بعد الأمطار. كما تتغذى المواشي على الأجزاء الخضرية للنبات بعد جفافه، مما يجعله عنصرًا من عناصر تغذية المراعي الطبيعية . “

تهديدات مستقبلية

يحذر احمد جعبوب من التهديدات المتزايدة التي تواجه نبات البيضح في السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن ما يواجهه اليوم ليس مجرد استغلال مفاجئ، بل هو نتيجة تراكم طويل لعوامل بيئية وبشرية متداخلة. ويقول في هذا السياق:” الجمع المفرط للدرنات من البرّ، خصوصًا مع ارتفاع الطلب، يقلل من قدرة النبات على التكاثر سنويًا. والخطر الأكبر يتمثل في دخول عمالة وافدة لجمع النبات بشكل عشوائي دون الالتزام بالأنظمة. كما أن التوسع البشري، والرعي المكثف، وشق الطرق في بطون الجبال، وتدمير الهضاب الحجرية، كلها عوامل لها تأثير واضح في تقليص أعداد البيضح. إضافة إلى ذلك، فإن التغير المناخي واختلال نمط الرطوبة الموسمية، خصوصًا موسم الخريف في ظفار، يؤثر مباشرة على إنبات وإزهار هذه الأنواع .”

ويؤكد علي عكعاك بدوره على خطورة هذه التهديدات قائلاً  :” التهديدات البيئية التي تواجه نبات البيضح تتنوع ما بين الجني غير المسؤول وغير المستدام من قبل بعض الأفراد، والتدهور المستمر في التربة والبذور نتيجة عوامل طبيعية، بالإضافة إلى قلة الأمطار في بعض السنوات. كل هذه المؤثرات مجتمعة أدت إلى تراجع وجوده في عدد من المواقع التي كان ينتشر فيها سابقًا.”

الحلول المقترحة للحماية والاستدامة

يقترح أحمد سوحيلي جعبوب:” توعية المجتمع المحلي بأهمية ترك نسبة من الدرنات في مواقعها لضمان تجدد النباتات البرية، خاصة أن بذور البيضح معرضة للحشرات والرياح عند انتشارها في السهول .”

ويضيف:” وضع إرشادات محلية للجمع المستدام، تشمل تحديد المواسم المسموح فيها الجمع، والكميات المناسبة، والمناطق التي يجب حمايتها.”

كما يشدد على :” توثيق مواقع وجود النبات علميًا، ورسم خرائط دقيقة لانتشاره، ودعم الدراسات الزراعية لتجربة استزراع الدرنات محليًا كبديل للجمع البري .”

ويؤكد محمد عكعاك:” استزراع الدرنات محليًا ودعم الدراسات العلمية يمكن أن يوفر حلولًا واقعية للحفاظ على النبات وضمان استدامته .”

تراث متجدد وهوية راسخة

ويختم جعبوب حديثه مؤكدًا على العلاقة التراثية بين النبات والإنسان، قائلاً :” البيضح مثال واضح على العلاقة بين الإنسان والطبيعة في ظفار وهو جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمجتمع المحلي . “

ويضيف محمد عكعاك:” يشكل البيضح موردًا مهمًا للغذاء الطبيعي، حيث يتم جمع عشرات الكيلوغرامات سنويًا في كل قرية حيث ان  جمع البيضح جزءًا من التقاليد الاجتماعية،إذ كان مقياسًا لمهارة الفتاة وقدرتها على إدارة شؤون الحياة الريفية .”

تكشف الشهادات الميدانية والرؤى البحثية عن صورة متكاملة للبيضح، الذي ارتبط بالإنسان والبيئة في ظفار عبر أجيال طويلة. فهو ليس مجرد نبات بري موسمي،بل عنصر بيئي وثقافي يحمل ذاكرة المكان، ويعكس نمط حياة قائمًا على التعايش مع الطبيعة واستثمار مواردها بحكمة.

مع تزايد التحديات البيئية والبشرية، تبرز الحاجة إلى وعي مجتمعي وجهود علمية جادة لحماية هذا الإرث الطبيعي وضمان بقائه عنصرًا فاعلًا في التراث الغذائي والثقافي لظفار، لا مجرد ذكرى موسمية تتلاشى مع الزمن .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى