
عقلٌ لا يكف عن البحث وقلبٌ يلهث وراء شغفه
كتب – أسيل سالم المقبالية
من قلب صلالة إلى أروقة جامعة السلطان قابوس، نسج الدكتور غازي بن علي الرواس مسار حياته بعقل متوقد وقلب متلهف للعلم، رحلة ليست مجرد مهنة، بل قصة شغف مستمرة. منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني أمام رجل تحمل تفاصيل مسيرته تاريخًا طويلًا من التجارب، وكلماته تعكس باحثًا يؤمن بأن المعرفة قادرة على تغيير المصائر. لم تكن حكايته مجرد مسار وظيفي، بل فصول قصة إنسان شق طريقه بالإصرار، وجمع بين العلم والحياة بأسلوب نادر وفريد.
يبدأ الدكتور غازي حديثه من البدايات الأولى، ويقول بتواضع يليق بجذوره :” نشأت في صلالة الوسطى، وكنت الأصغر بين إخوتي الذكور. بدأت رحلتي الدراسية من مدرسة خالد بن الوليد في المرحلة الابتدائية، ثم صلالة الجديدة في الإعدادية، وصولًا إلى المدرسة السعيدية الثانوية في الدهاريز .”
ويضيف :” كانت المدارس بالنسبة لي أكثر من فصول دراسية وجدران؛ كانت مساحة تُنمى فيها المواهب. هناك انخرطت في الإذاعة المدرسية، المسرح، الصحافة المدرسية، والفنون التشكيلية؛ أنشطة صنعت جزءًا كبيرًا من شخصيتي، وفتحت لي نافذة مبكرة على التفكير الإبداعي .”
وعن اختياره لتخصص الهندسة المدنية، يوضح قائلًا :” في تلك الفترة، لم تكن المنح الخارجية متاحة كما هي اليوم، كما لم يكن تخصص الهندسة المعمارية مطروحًا ضمن البعثات. لذلك لم يكن اختياري للهندسة المدنية تراجعًا أو بديلًا، بل قرارًا واعيًا نابعًا من قناعتي بما يحمله هذا التخصص من معانٍ قريبة إلى اهتماماتي، مثل التخطيط، والتصميم، والتفكير الرياضي، وبناء البنية الأساسية .”
ويتابع:” لهذا اخترت كلية الهندسة في جامعة السلطان قابوس، وتحديدًا تخصص الهندسة المدنية، لكونه الأقرب إلى الهندسة المعمارية، ويجمع بين الجانب العلمي والبعد التطبيقي الملموس .”
الدعم الأسري ومسار الاختيار
لم تتشكل بدايات الدكتور غازي بالمصادفة، بل جاءت امتدادًا لدعمٍ أسري مبكر آمن بالعلم طريقًا، وبالتعليم أساسًا راسخًا للمستقبل. هذا الأثر العائلي شكّل الحاضنة الأولى لاختياراته، والمرتكز الذي انطلقت منه رحلته الأكاديمية.
يستعيد تلك المرحلة بامتنان قائلًا : ” لم أمشِ وحدي في هذا الطريق. والدي، رحمه الله، كان مصدر الإلهام الأول في حياتي. هو من زرع في قلبي قيمة العلم والتعليم . وهو النهج الذي تبناه إخوتي وأخواتي الأكبر سنًا، مما شكّل بيئة منزلية محفّزة للمعرفة. وقد كان لهذا الجو العائلي أثر إيجابي قوي على مسيرتي العلمية .”
ويضيف :” كما كان لأخي الأكبر، الأستاذ الدكتور عامر بن علي الرواس – الذي يشغل حالياً منصب رئيس جامعة ظفار – دور مهم في توجيهي وتشجيعي في بداية مسيرتي الأكاديمية وما زالت نصائحه تسير معي حتى اليوم . “
من مقاعد الجامعة إلى رحلة الابتعاث
تشكلت المسيرة الأكاديمية للدكتور غازي عبر تجارب متتابعة، صقلت شخصيته ومنحته القدرة على المزج بين الخبرة العملية والبحث العلمي، مع تطوير مهارات القيادة والإدارة الأكاديمية.
عن تلك المرحلة،يقول :” بعد تخرجي من جامعة السلطان قابوس عام 1997، كانت أمامي فرص عمل مغرية في شركات كبيرة مثل تنمية نفط عمان و الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال .”
ويضيف :” عندما تلقيت عرضًا للعمل في الجامعة، شعرت أن الباب الذي كنت أنتظره قد فتح. كنت أرغب في إكمال دراساتي العليا، ولم أرَ مكانًا أفضل من الجامعة ليكون نقطة البداية لرغبتي الشديدة في اكمال دراستي العليا والتشجيع المستمر من الوالد رحمه الله .”
ثم جاءت مرحلة الابتعاث للدراسات العليا – الماجستير التي يصفها بأنها فصل كامل في السيرة الأكاديمية ” سافرت إلى الولايات المتحدة، ولم تكن الغربة سهلة. لغة جديدة، ثقافة مختلفة، ومسؤولية أن أمثل وطني بأفضل صورة. تعلمت شيئًا مهمًا: أن الإصرار والصبر ليسا مجرد كلمات، بل سلوك يومي . “
في الولايات المتحدة، وتحديدًا في جامعة بوسطن، وجد نفسه تحت إشراف أحد أبرز العلماء العرب الدكتور فاروق الباز ” اكتشفت شغفي الحقيقي الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية. هذه التجربة غيّرت طريقة تفكيري تمامًا. تعلمت أن أنظر إلى الأرض من السماء، وأن أقرأها بطريقة مختلفة .”
لاحقًا، انتقل إلى كندا لمواصلة دراساته العليا والتخصص في نظم المعلومات الجغرافية ، حيث نضج الحلم أكثر، واستمرت سنوات الدراسة بين برودة الطقس وثقل البحث العلمي، بينما كانت عائلته تتشكل وتنمو إلى جانبه. هناك أدرك معنى أن يكون العلم بوابة لخدمة الوطن، وليس إنجازًا شخصيًا فحسب ” في كندا، تعلمت أن العلم مسؤولية قبل أن يكون طموحًا، وأن المعرفة الحقيقية هي التي يمكن تحويلها إلى أفعال تفيد المجتمع والوطن .”
شكّلت تلك التجارب مسار الدكتور غازي الأكاديمي، فمزجت بين العلم والتجربة، وصقلت رؤيته القيادية، ومنحته قدرةً على الجمع بين البحث والعمل، بينما بقيت القيم الشخصية والعائلية رفيقته الدائمة، تمدّه بالقوة وتمنح رحلته معنى أعمق .
تحديات الغربة وبناء التجربة
يشير الدكتور غازي إلى أن تجربة الغربة لم تكن سهلة على الإطلاق،سواء على مستوى اللغة أو الثقافة أو التأقلم مع البيئة الجديدة، لكنه يؤكد أن العزيمة والتوكل على الله كانا دائمًا مصدر قوته ” وجود زوجتي إلى جانبي كان سندًا عظيمًا لتخطي الصعوبات. دعمها المستمر منحني القوة للاستمرار ومواجهة التحديات التي ترافق الابتعاث والدراسة في بيئة جديدة بعيدة عن الوطن .”
ويضيف الدكتور غازي أن الصعوبات التي واجهها لم تكن مجرد عقبات، بل كانت أدوات لبناء الشخصية وصقل الخبرة :” بلا شك، الإنسان يواجه كثير من التحديات في حياته الشخصية والمهنية. أنا دائمًا أعتبر هذه التحديات أدوات لبناء الذات واكتساب الخبرة، وما على الإنسان فعله هو العمل بالأسباب،والتوكل على الله، والتحلي بالصبر.”
وعن الإنجازات الشخصية التي يعتز بها، يوضح :” على المستوى الشخصي والمهني، لدي العديد من الإنجازات، لكن أهمها هو رؤية ثمرة استثماري الحقيقي في أبنائي يتحقق كما رسمت له. هذا الإنجاز أعطاني شعورًا عميقًا بالرضا والحمد لله على هذه النعمة .”
وبخصوص التوازن بين المسؤوليات الإدارية والحياة الخاصة، يؤكد:” كعميد للبحث العلمي، حجم المسؤوليات كبير ومتسارع، لكني أحرص دائمًا على التوفيق بين عملي وحياتي الخاصة من خلال التخطيط وتوزيع المهام وبناء فرق عمل قادرة على الإنجاز المستقل. أركز على الأعمال الاستراتيجية وأفوض التفاصيل التشغيلية لفريقي، مما يضمن استمرارية العمل بكفاءة دون التأثير على توازني الشخصي. كما أخصص وقتًا ثابتًا لأسرتي وصحتي، وأؤمن أن القائد الذي يحافظ على توازنه الذهني والإنساني يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصائبة وقيادة منظومة البحث العلمي نحو التميز .”
ويؤكد أن من أهم صفات الباحث الناجح الصبر والمثابرة :” الصبر هو من أهم أدوات النجاح، فالبحث العلمي يحتاج إلى مثابرة مستمرة. نتائج البحث العلمي ليست سريعة، بل هي عملية تراكمية لبناء المعرفة، وتحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر ثمارها. ولدى الشعوب والأمم التي استثمرت في البحث العلمي أمثلة عديدة على النهضة والتقدم الناتج عن الصبر والمثابرة .”
العودة للديار وبناء المشاريع الوطنية
وعن مرحلة العودة إلى الوطن، يتحدث الدكتور غازي بملامح امتنان واضحة، وكأن تلك اللحظة ما زالت حية في ذاكرته “عام 2001 كان عام العودة… لم أعد لأبدأ من الصفر، بل لأواصل بناء حلمي من نقطة أعلى. عدت وأنا أحمل معي تراكم سنوات من الخبرة والدراسة، وشعورًا عميقًا بالمسؤولية تجاه ما يمكن أن أقدمه لوطني .”
ويصف تلك المرحلة بأنها تحول مهم في مسيرته، إذ كانت أول خطوة بعد العودة هي المساهمة في تأسيس مركز الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجغرافية في جامعة السلطان قابوس،
ويقول:” كان هذا المركز الأول من نوعه، وكان تأسيسه أشبه بوضع حجر أساس لمرحلة طويلة من العمل العلمي… مرحلة اعتبرها البداية الحقيقية لمسيرتي .”
لم تكن الصور الفضائية منتشرة كما هي اليوم، ولم يكن من السهل جمع بيانات دقيقة عن الأرض، ومع ذلك، كان الحلم أكبر من التحديات. ومن هنا بدأت سلسلة مشاريع حملت بصمته الأكاديمية وشغفه بالبحث.
ويستعرض محطاته المهنية قائلًا :” في 2009 حصلت على درجة الدكتوراه، وانتقلت إلى مسار جديد كأستاذ مساعد في قسم الهندسة المدنية والمعمارية… كانت مرحلة أسست فيها لمنهجي في التدريس والبحث. ثم جاء عام 2016، حيث توليت منصب مساعد عميد كلية الهندسة للتدريب وخدمة المجتمع، وهذا قرّبني أكثر من الطلبة ومن احتياجات سوق العمل. أما عام 2021 فكان نقطة مفصلية حين أصبحت عميدًا للبحث العلمي، لأقود الاستراتيجية البحثية في الجامعة وأدعم المشاريع الوطنية .”
لم يكن المنصب مجرد دور إداري، بل مسؤولية عن صياغة رؤية، وخلق بيئة بحثية قادرة على التأثير. يقول بابتسامة هادئة: ” القيادة في البحث العلمي ليست إدارة ملفات… هي قيادة عقول .”
ويستعرض أبرز محطاته البحثية قائلاً: ” كان أول مشروع هو إعداد أول أطلس لأودية عمان عام 2001 باستخدام صور الأقمار الصناعية. كانت خطوة جريئة لوقتها، لأنها المرة الأولى التي تُعرض فيها أودية عمان بمنظور فضائي، وبقيادة الدكتور فاروق الباز .”
ويضيف عن مشروعه الحالي:” اليوم أعمل على مشروع بحثي ضمن تمويل المكرمة السامية، يتعلق بنمذجة الفيضانات في منطقة الباطنة، وتحديدًا وادي الحواسنة. نشرنا عددًا من الأوراق العلمية في مجلات عالمية مرموقة، ونقترب من إنهاء المرحلة النهائية، آملين أن نقدّم حلولًا عملية لإدارة المخاطر والتنبؤ بالفيضانات .”
وعن بيئة البحث العلمي في الجامعة، يوضح:” بيئة البحث لدينا ثرية ومتقدمة… مختبرات حديثة، قواعد بيانات عالمية، وبنية تحتية قادرة على دعم أبحاث نوعية. هذا كله انعكس على ارتفاع الإنتاج العلمي وتحسن تصنيف الجامعة عالميًا .”
ويشير إلى دور العمادة بقوله :” نوفر التمويل، نسهّل الإجراءات، ننظم الورش، ندير المجلات العلمية… ونبني جسور تعاون بين الكليات. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع بيئة بحثية حقيقية .”
ويرى أن المبادرات النوعية أصبحت جزءًا مهمًا من هوية الجامعة :” نفخر بمبادرات مثل عدسة على باحث، ونتاج، ومجلة تواصل. هذه المنصات جعلت صوت الباحث يصل إلى المجتمع .”
ورغم كل التقدم، يتحدث بنبرة واقعية عن التحديات :” محدودية التمويل الوطني و الإجراءات الإدارية تظل من أبرز التحديات، البحث العلمي ليس عملًا سريعًا؛ هو جهد تراكمي يحتاج صبرًا طويلًا، واستمرارية لا تتوقف .”
العمل الإداري وتنمية الباحثين والطلبة
يعتبر تطوير مهارات الباحثين والطلبة من أهم أولويات الدكتور غازي، الذي يرى في قيادته للعمادة فرصة لصقل العقول الشابة وتهيئتها لمستقبل علمي متميز. بنبرة يختلط فيها الفخر بالمسؤولية، يقول :” نسعى دائمًا إلى غرس روح البحث في نفوس الطلبة منذ سنواتهم الأولى. نعرّفهم على أوراق علمية منشورة، ونفتح لهم نافذة على ما يجري في العالم من اكتشافات، ليدركوا أن البحث ليس واجبًا جامعيًا… بل طريقة تفكير .”
ويشرح كيف خطت الجامعة خطوات مهمة في هذا الجانب قائلًا :” أطلقنا مسارًا لتمويل مشاريع طلبة البكالوريوس، بحيث يقود الطالب مشروعه البحثي بنفسه تحت إشراف أكاديمي. كما نوجّههم نحو النشر العلمي، وندعم رسوم النشر لتشجيعهم على دخول هذا العالم بثقة، إيمانًا بأن التجربة المبكرة تصنع باحثًا مختلفًا . “
وفي سياق حديثه عن إعداد الطلبة وتأهيلهم، ينتقل الدكتور غازي للحديث عن التدريب الدولي، بصفته رئيسًا سابقاً لمنتدى IAESTE للتبادل الطلابي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ ، يقول : ” التدريب خارج السلطنة يمنح الطالب ما هو أبعد من المهارة؛ فهو يفتح أمامه آفاقًا أوسع، ويمنحه نظرة مختلفة للعالم. من خلاله يتعامل مع ثقافات متنوعة، ويكتسب خبرة عملية حقيقية، ويكوّن علاقات مهنية تمتد لسنوات. وبعض الطلبة يعودون لاحقًا للعمل في المؤسسات التي تدربوا فيها، مما يسهم في بناء جسور تعاون بحثي بين عُمان ودول متعددة . “
رؤية مستقبلية للبحث العلمي في عُمان
وفي خضمّ التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم العالي في السلطنة، تتبلور رؤية الدكتور غازي لمستقبل البحث العلمي في عُمان، رؤية تنطلق من إيمانٍ بدور الجامعات بوصفها محرّكًا أساسيًا للتنمية الوطنية. وبنبرة واثقة ومتفائلة، يقول :” أرى البحث العلمي في عمان يسير في اتجاه واعد. الجامعة نجحت في استقطاب شركات عالمية لدعم الاستشارات البحثية، ونسعى للوصول بمستوى الإنفاق على البحث العلمي إلى المراتب المتقدمة في المنطقة.
ويؤكد أن قوة البحث العلمي تكمن في ارتباطه بالواقع، ويقول : ” الأهم أن نربط الأبحاث بالمشاريع الواقعية في قطاع الصناعة، عبر التعاون مع القطاعين العام والخاص، وفهم احتياجاتهما وتحدياتهما، ليصبح البحث العلمي أداة فعلية للتنمية .”
رسالة إلى الباحثين والطلاب
ويختم الدكتور غازي حديثه برسالة ملهمة للجيل القادم :” أقول للطلبة والباحثين: الجامعة توفر لكم بيئة محفزة لا تتكرر، تشمل مختبرات متطورة، مكتبات عالمية، ومصادر بحثية متعددة. ركزوا على جودة الأبحاث، وانشروا في المجلات المرموقة، وابتعدوا عن المجلات غير الموثوقة. العلم قيمة، وليس عددًا .”
ويتابع ” الصبر والمثابرة أدوات أساسية لتحقيق النجاح في البحث العلمي. فالبحث العلمي استثمار طويل المدى لبناء المعرفة والخبرة التراكمية .” هكذا تتجسد حكاية عقلٍ لا يكف عن البحث، وقلبٍ لم يتخلَّ يومًا عن شغفه. مسيرة لم تُقاس بعدد المناصب أو الشهادات، بل بعمق الأثر الذي تركه صاحبها في المعرفة والإنسان معًا. من بيئة محلية في صلالة، إلى فضاءات البحث العلمي العالمية، ثم عودة واعية لتحويل العلم إلى مشاريع وطنية، ظل الدكتور غازي بن علي الرواس وفيًّا لقناعته بأن البحث العلمي ليس ترفًا فكريًا، بل مسؤولية ورسالة. قصة تؤكد أن الشغف حين يقترن بالصبر، وأن المعرفة حين تُعاش قبل أن تُدرَّس، قادرة على أن تصنع فرقًا حقيقيًا يمتد أثره من الجامعة إلى الوطن.





