الأخبار العالميةالرئيسيةثقافة

لغز «حالات الماء».. الذكاء الاصطناعي يكشف السر الكامن في بنية السائل الأكثر حيوية

لطالما وقف العلماء حائرين أمام السلوك الشاذ للماء؛ فبينما تتصرف السوائل الأخرى وفق قواعد فيزيائية متوقعة، يغرد الماء خارج السرب بتمدده عند التجمد وكثافته التي تبلغ ذروتها عند 4 درجات مئوية. اليوم، قد يكون هذا اللغز في طريقه للحل؛ حيث كشف فريق بحثي دولي عن أدلة جديدة تدعم فرضية علمية مثيرة للجدل، تفيد بأن الماء ليس سائلاً متجانساً، بل هو مزيج يتأرجح باستمرار بين حالتين جزيئيتين مختلفتين في الكثافة.

وتقوم “فرضية الحالتين” على افتراض وجود شكلين مختلفين للماء؛ أحدهما عالي الكثافة والآخر منخفض الكثافة، يتبادلان التحول بصورة مستمرة. ويؤكد الباحثون أن هذه الديناميكية الجزيئية قد تكون “المفتاح” الذي يفسر الخصائص الفريدة للماء، بدءاً من لزوجته غير الاعتيادية، وصولاً إلى مقاومته العالية للتغيرات الحرارية، وهي خصائص تجعل من الماء مادة استثنائية لا غنى عنها في الكون.

ولحسم الجدل العلمي الطويل حول هذه الفرضية، لجأ الباحثون إلى أساليب مبتكرة في “التعلم العميق” (Deep Learning). وأوضح شياو تشنغ زينغ، الكيميائي الفيزيائي في جامعة مدينة هونغ كونغ وأحد المشاركين في الدراسة، أن التحدي كان يكمن في إثبات هذه الفكرة بشكل مباشر. لذا، أجرى الفريق محاكاة حاسوبية ضخمة شملت مئات الآلاف من جزيئات الماء، أنتجت عشرات الملايين من نقاط البيانات، ليقوم الذكاء الاصطناعي باكتشاف أنماط دقيقة تحدد مسارات انتقال الجزيئات بين البنيتين.

أظهرت النتائج أن جزيئات الماء لا تسلك مساراً أحادياً في تحولها؛ ففي الظروف العادية، تعبر الجزيئات حاجز طاقة بسيط، بينما تتخذ في ظروف أخرى مسارات معقدة تمر عبر حواجز طاقة متعددة. ورغم أن الفريق يعمل حالياً على تطوير نماذج أكثر دقة لربط هذه النتائج بالخصائص الفيزيائية الملموسة، إلا أنهم يقرون بأن إثبات هذه الآلية تجريبياً في “الماء الحقيقي” لا يزال يتطلب تقنيات استشعار أكثر حساسية وتطوراً.

وتتجاوز أهمية هذا الاكتشاف الحدود النظرية للفيزياء؛ فبما أن الماء يشكل الوسط الأساسي لمعظم العمليات البيولوجية والكيميائية والصيدلانية، فإن فهم بنيته الجزيئية “المزدوجة” يفتح آفاقاً رحبة. فقد يساعد هذا الفهم مستقبلاً في فك شفرة تفاعل البروتينات والأملاح داخل الأجسام الحية، مما يمهد الطريق لابتكارات طبية وعلمية قد تعيد صياغة فهمنا لكيفية عمل الدواء والعمليات الحيوية داخل جسم الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى