
لماذا تشعر بالتوتر بعد التمرين؟.. الحقيقة العلمية وراء “الإجهاد الإيجابي”
يتوقع كثيرون أن يشعروا بالهدوء والاسترخاء التام فور انتهاء التمرين الرياضي، إلا أن البعض يتفاجأ بعكس ذلك تماماً؛ إذ يختبر تسارعاً في ضربات القلب، وحالة من اليقظة الزائدة، أو إحساساً يشبه التوتر والقلق. ولا يقتصر هذا الشعور على المبتدئين فحسب، بل يمتد ليطال الرياضيين المعتادين على التدريب، مما يدفعهم للتساؤل عما إذا كانت الرياضة ترهق الجسم بدل تهدئته.
الجسم لا يميز بين ضغوط الرياضة وضغوط الحياة
عندما يبدأ الجسم ببذل مجهود بدني، فإنه لا يتعامل مع الأمر على أنه محاولة للاسترخاء، بل يستقبله كتحدٍ يستدعي تعبئة شاملة للموارد. وينشط خلال ذلك الجهاز العصبي المسؤول عن الاستجابة السريعة، وترتفع مؤقتاً هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول —وهي ذاتها الهرمونات المرتبطة بالتوتر النفسي— بهدف توفير الطاقة السريعة للعضلات، وزيادة تدفق الدم، وتحسين التركيز الذهني.
ويوضح الدكتور أنتوني هاكني، أستاذ علم وظائف الأعضاء الرياضية في جامعة نورث كارولينا، أن ارتفاع الكورتيزول أثناء التمرين لا يعد مؤشراً على الضرر، بل استجابة طبيعية تخدم احتياجات الطاقة. ومع انتهاء النشاط، تبدأ هذه المستويات في الانخفاض تدريجياً ليدخل الجسم مرحلة التعافي، وهو ارتفاع مؤقت يختلف جذرياً عن الارتفاع المزمن الناتج عن الضغوط النفسية أو قلة النوم.
“الإجهاد الإيجابي”.. كيف تبني الرياضة قوتنا؟
يفسر العلماء هذه الاستجابة بما يُعرف بـ “الإجهاد الإيجابي”؛ وهو مفهوم فسيولوجي يشير إلى أن تعريض الجسم لجرعات معتدلة ومنتظمة من الإجهاد يحفزه على التكيف والتحسن دون إلحاق الضرر به.
وتشير مراجعة علمية نُشرت في مجلة “Dose-Response” إلى أن هذا الإجهاد المعتدل يعزز كفاءة الخلايا وأجهزة الجسم المختلفة، فتصبح العضلات أقوى بعد إصلاح أليافها، وتزداد كفاءة الميتوكوندريا المسؤولة عن إنتاج الطاقة، إضافة إلى تحسن أداء القلب والرئتين.
التوتر الصحي مقابل التوتر الضار
من الطبيعي الخلط بين التوتر الناتج عن التمرين والتوتر المزمن للضغوط اليومية لتشابه الأحاسيس الظاهرية. لكن الفارق جوهري؛ فتوتر التمرين هو استجابة مؤقتة ومنظمة تتبعها فترة تعافي واستشفاء، بينما يستمر التوتر المزمن دون راحة كافية مؤدياً إلى آثار سلبية.
متى يكون الشعور طبيعياً؟ ومتى يتحول إلى إنذار؟
طبيعي: إذا تراجع الشعور باليقظة والتسارع تدريجياً بعد التمرين بفترة قصيرة، ولم يؤثر على جودة النوم، وصاحبه تحسن تدريجي في اللياقة العامة مع زوال الإرهاق خلال يوم أو يومين.
إشارة تحذير (الإفراط في التدريب): إذا استمر التعب الشديد والتوتر لساعات طويلة أو لليوم التالي، مع اضطراب متكرر في النوم، وتراجع ملحوظ في الأداء، وارتفاع غير مبرر في نبضات القلب أثناء الراحة. وعلاج ذلك يكمن في تعديل الشدة التدريبية وزيادة فترات الراحة.
التعافي.. سر الفائدة الحقيقية
تتحقق فوائد الرياضة أثناء فترة التعافي التي تلي الجلسة التدريبية، حين يُصلح الجسم أنسجته ويتكيف مع الجهد المبذول. ولتحقيق أقصى استفادة، يُنصح بالحصول على قسط كافٍ من النوم، وشرب السوائل، وتناول وجبات متوازنة من البروتين والكربوهيدرات، مع تجنب الزيادة السريعة في شدة التمارين، وتخصيص أيام للراحة أو لأنشطة خفيفة كالمشي والإطالة.





