
«عُمان وإيطاليا: ألفا عام من التلاقي الحضاري».. جسرٌ ثقافي يربط مسقط بميلانو
تحتضن مدينة ميلان الإيطالية ظاهرة ثقافية استثنائية، حيث افتتح في متحف «بريرا» الكبير معرض «عُمان وإيطاليا: ألفا عام من التلاقي الحضاري»، الذي يأتي ضمن مبادرة «يوم عُمان» التي يتبناها المتحف الوطني. ويستمر المعرض حتى 13 سبتمبر المقبل، ليقدم للجمهور العالمي رحلةً بصرية ومعرفية في سجل التاريخ المشترك بين الحضارتين، موثقاً عبر المكتشفات الأثرية، وأدب الرحلات، والخرائط، والفنون، إرثاً إنسانياً امتد عبر البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي.
وفي تصريح له، أكد سعادة جمال بن حسن الموسوي، الأمين العام للمتحف الوطني، أن المعرض الذي يُقام في مكتبة «برايدينسي» الوطنية العريقة، يمثل أول مبادرة متحفية من نوعها تنظمها سلطنة عُمان في الجمهورية الإيطالية. وأشار الموسوي إلى أن المعرض لا يكتفي بعرض القطع الأثرية فحسب، بل يفكك شبكة الروابط التاريخية، بدءاً من نظام الأفلاج العُماني – الذي يجد صدى له في “القنوات” الصقلية – وصولاً إلى الدور الاستراتيجي للبان في الممارسات الدينية والتبادل التجاري القديم.
من جانبه، أوضح صاحب السمو السيد نزار بن الجلندى آل سعيد، سفير سلطنة عُمان لدى الجمهورية الإيطالية، أن المعرض يجسد العمق الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، مستعرضاً مقتنيات فريدة تؤرخ لهذا التواصل الممتد. وأكد سموه أن إرث طريق اللبان الذي وفرت له عُمان منافذ عبر بحرها ومحيطها، كان المحرك الأول لهذا الثراء المعرفي المتبادل الذي يتجسد اليوم في علاقات وطيدة وشراكات شاملة.
يتتبع المعرض محطاتٍ جغرافية وفكرية متسلسلة، تبدأ من العصور الكلاسيكية، حيث يقابل ببراعةٍ بين الموروث العقائدي للعصر الحديدي في عُمان – المتمثل في «الثعبان البرونزي» المكتشف في ولاية الحمراء – وبين المكتشفات الرومانية في جزيرة محوت. كما يُسلط الضوء على الإشعاع العلمي من خلال عرض مخطوطة «أرجوزة في تشريح العين» للشيخ راشد بن عميرة الرستاقي، و«النونية الكبرى» للملاح أحمد بن ماجد، جنباً إلى جنب مع إصدارات أوروبية نادرة، مثل كتاب «رحلات أنجيلو ليغرينزي».
ويكشف المعرض أيضاً عمق الروابط مع جمهورية البندقية التاريخية، عبر خرائط نادرة سُكّت على النحاس في القرن السادس عشر، وعملات «الزيكينو» الذهبية التي عُثر عليها في السيب والوافي، وصولاً إلى التفاعل الفني الحديث الذي يمثله تصميم زجاجي من طراز «فينيني» الشهير. كما يبرز المعرض كتابات رحالة الدولة البابوية مثل «فارتيما وديلا فالي»، الذين وثقوا ببراعة أهمية الموانئ العُمانية كحلقة وصلٍ بين الشرق والغرب.
يُعد اختيار متحف «بيناكوتيكا دي بريرا» في ميلانو – وهو صرح تأسس عام 1776م كأكاديمية تعليمية قبل أن يحوله نابليون بونابرت إلى متحف وطني عام 1809م – تأكيداً على مكانة هذا المعرض، الذي يهدف إلى إيصال الموروث الحضاري العُماني إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور الدولي، مؤكداً أن التاريخ المشترك ليس مجرد صفحات من الماضي، بل هو ركيزة راسخة تدعم جسور الصداقة بين عُمان وإيطاليا في الحاضر والمستقبل.





